مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

14

تفسير مقتنيات الدرر

قوله : * ( [ وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ ] ) * أي كما أنعمنا عليه بالسلامة من الجبّ مكّنّاه بأن عطفنا عليه قلب العزيز حتّى توصّل بذلك وتمكّن من الأمر والنهي في أرض مصر * ( [ وَلِنُعَلِّمَه ُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ ] ) * أي نوفّقه لتعبير المنامات الَّتي من عمدتها رؤيا الملك وصاحب السجن فأدّى ذلك التعبير إلى الرياسة العظمى ، ويمكن أن يكون المراد إرساله إلى الخلق بتبليغ الأحكام وتحقّق أمر نبوّته * ( [ وَاللَّه ُ غالِبٌ عَلى أَمْرِه ِ ] ) * فعّال لما يريد لا دافع عن حكمه في أرضه وسمائه يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء كناية عن أنّ أمر يوسف إليها ليس بسعي إخوته لأنّهم أرادوا به كلّ سوء واللَّه أراد له الخير فكان كما أراد . قوله : * ( [ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّه ُ آتَيْناه ُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ] ) * لمّا صبر يوسف على تلك الشدائد والمحن مكّنه اللَّه في الأرض ، ثمّ لمّا بلغ أشدّه ومنتهى شبابه وقوّته آتيناه الحكم والنبوّة والعلم الشريعة وقيل : الدعوة إلى دين اللَّه . وقيل : أراد سبحانه الحكم على الناس والعلم بوجوه المصالح فإنّ النّاس كانوا إذا تحاكموا على العزيز أمره بأن يحكم بينهم لما رأى من عقله وإصابته في الرأي * ( [ وَكَذلِكَ ] ) * أي مثل ما جزينا يوسف بصبره نجزي كلّ من أحسن وصبر على الشدائد . وقال ابن عبّاس : بلاغ الأشدّ ليوسف لمّا بلغ ثلاثا وثلاثين سنة . وهذا القول شديد الانطباق على القوانين الطبيعيّة ، وذلك لأنّ الإنسان يحدث في أوّل الأمر ويتزايد كلّ يوم شيئا فشيئا إلى أن ينتهي لغاية الكمال ، ثمّ يأخذ في التراجع والانتقاص فكانت حالته كالهلال ضعيفا ، ثمّ لا يزال يزداد إلى أن يصير بدرا تامّا ثمّ يتراجع إلى أن ينتهي إلى العدم والمحاق ، فبين مدّة دور القمر ثمانية وعشرون يوما وشئ فإذا جعلت هذه الدورة أربعة أقسام كان كلّ قسم منها سبعة أيّام فلا جرم رتّبوا أحوال الأبدان على الأسابيع فالإنسان إذا ولد كان ضعيف الخلقة نحيف التركيب إلى أن يتمّ له سبع سنين ، ثمّ إذا دخل في السبعة الثانية حصل فيه آثار الفهم والذكاء ولا يزال في الترقّي إلى أن يتمّ له أربع عشر سنة فإذا دخل في السنة الخامسة عشر دخل في الأسبوع الثالث ، وهناك يكمل العقل ويبلغ إلى حدّ التكليف وتتحرّك فيه الشهوة .